ابن قيم الجوزية

690

تفسير القرآن الكريم ( التفسير القيم )

أطفأ العبد جمرة الغضب والشهوة بمثل الوضوء والصلاة . فإنها نار والوضوء يطفئها ، والصلاة إذا وقعت بخشوعها والإقبال فيها على اللّه أذهبت أثر ذلك كله . وهذا أمر تجربته تغنى عن إقامة الدليل عليه . الحرز العاشر : إمساك فضول النظر والكلام والطعام ، ومخالطة الناس . فإن الشيطان إنما يتسلط على ابن آدم ، وينال منه غرضه : من هذه الأبواب الأربعة فإن فضول النظر يدعو إلى الاستحسان ، ووقوع صورة المنظور إليه في القلب ، والاشتغال به ، والفكرة في الظفر به . فمبدأ الفتنة من فضول النظر ، كما في المسند عن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم أنه قال : « النظرة سهم مسموم من سهام إبليس ، فمن غضّ بصره للّه أورثه اللّه حلاوة يجدها في قلبه إلى يوم يلقاه » أو كما قال صلّى اللّه عليه وسلّم . فالحوادث العظام إنما هي كلها من فضول النظر . فكم نظرة أعقبت حسرات لا حسرة ؟ كما قال الشاعر : كل الحوادث مبدأها من النظر * ومعظم النار من مستصغر الشرر كم نظرة فتكت في قلب صاحبها * فتك السهام بلا قوس ولا وتر ؟ وقال الآخر : وكنت متى أرسلت طرفك رائدا * لقلبك يوما أتعبتك المناظر رأيت الذي لا كلّه أنت قادر * عليه ، ولا عن بعضه أنت صابر وقال المتنبي : وأنا الذي جلب المنية طرفه * فمن المطالب ، والقتيل القاتل ؟ ولي من أبيات : يا راميا بسهام اللحظ مجتهدا * أنت القتيل بما ترمي ، فلا تصب وباعث الطرف يرتاد الشفاء له * توقّه ، إنه يرتد بالعطف